الأحد، 24 يونيو، 2012

كرنبة


1
لا حكم له على السخرية .تركض ف دمه وتجوس بين ضلوعه بلا لجام أو فرامل.جهاز لا إرادى, منحة السماء الإضافية إلى جانب الأجهزة الرئيسية  .يصفه المقربون بالسفالة .يستشعرونه  متكبرا أو مُكبرا بما رأى وسمع وعرف .عموما هذه وراثة .والده يزعم أنه حصل على سبع شهادات من سبع جامعات مختلفة ورغم ذلك يعمل سائقا يخرج مع النفس الأول للنهار ويعود متثائبا مع الليل فى ظلمته البهيمة .

أغرته بنظارتها الضخمة التى تأكل نصف وجهها .لها كحكة فى رأسها تنتمى لعهد الملكية فى مصر .توحى هيئتها بأن الدم لا يزال حارا فى القلعة .أسمع حوافر حصان إبراهيم بك تدب فى الأرض وأشم رائحة حرائق محمد على باشا بعد المذبحة .سفاح لم تخمد نيران الدم .السفاحون هكذا فى كل زمان ومكان ,الدم يزيدهم إشتعالا كأنهم جذوة حمراء متوهجة وكأنه بنزين .

اشتكى إفريز الدور الثان منها .تترك الفصل دائما وتهجع إليه .تسند كوعها إليه وتغرق ف تأملاتها .معلمة لغة عربية ولا تعرف معنى (الكماة) فى معلقة عنترة أو معنى (الغلواء ) فى قصيدة شوقى (ولد الهدى ).
هو التعليم باظ من شوية؟!.

نشن على هدفه وقرر أن يصوب من وضع الحركة وهذا الوضع مسار إثناء دائم من الكابتن فاروق جعفر فى استوديوهات تحليل مباريات كرة القدم .يهوى إرباك الأخرين .يقذف بهم فى بحور اللجلجة والتململ ويستمتع بالفرجة والتشفى من بعيد لبعيد .لم ترتبك كما توقع .
-إيه ده؟..كل دى نضارة؟

لون الإفريز بنى غامق والبلاط نقوشه زاهية وجديدة مابين الأصفر والبنى .جدران المدرسة من الخارج صفراء ومن الداخل فزدقية .قميصه برتقالى وبنطلونه كحلى .المدرسة بجوامدها وبشرها بالألوان ماعداها .لا تغير الأبيض والأسود لا شكلا ولا مضمونا .قطعة فنية من زمن غابر تثير الغمز واللمز ويُفترض أن تخجل وينكسف بالها إذا عايرها أحد بالفجوة الزمنية الفاصلة بينها وبينه ولكنها لا تحر جوابا أو رد فعل .
مر متعجبا من ثباتها وثقتها بنفسها .قرر أن يمكث فى حجرة الحاسب الآلى بضع دقائق ويعاود الكرة من جديد .

نشن من جديد وجاهد كى يتقن عبارته وعد الخطوات خطوة خطوة .التصويب من الحركة فالكابتن فاروق جعفر منزه عن الأخطاء فى مثل هذه المسائل .
باغتته قبل أن يلقى فألقت بعصاها فإذا هى حية تسعى .إبتلعت ثعابينه .أخرسته.
-بس يا كرمبة .
تحسس بطنه فور سماع الكلمة .مط شفتيه للأسفل وللأمام فى حركات مضحكة .فزع من ملاحظتها .الكرمبة تنمو وتنمو وتنمو حتى صارت معلما .
واصلت تأملاتها بينما قرر هو الهرب .


2
فصل 3/1 فى حصة الألعاب .الأستاذ سيد ينكت ويهرى فى نفسه كلما سمع أو قرأ كلمة الألعاب .
-اسمها تربية رياضية يا جدعان .
يستطيع تذنيب العيال فيرضخون للمسمى المنجى من الضرب والحرمان من الحصة ولكنه لا يستطيع إثناء المعلمين والإداريين والسعاة عنها .يسمونها حصة ألعاب بالعند فيه وفى وجهه الغاضب ويديه الطويلتين وصلعته البهية .
ينقسم الفصل تلقائيا فى حصة الألعاب .ينقسم الأولاد إل فريقين يلعبون الكرة فى ملعب صغير متعدد الأغراض .تكون البنات حلقات منفصلة لكل منها لعبتها الخاصة بين دورة المياه وبين مبن المدرسة .
وصل صوت إحدى الحلقات إليه فخرج إليها غاضبا .
-كرمبة
كرمبة فوق
كرمبة تحت
كرمبة وش
كرومبة ضهر
كورومباااااااااااااااة

*ياطولك ياختى انت وهى؟!...متلعبوش اللعبة د تانى انتو كبرتوا عيب.
زرعة القهر فى نفوس البنات مثمرة .ترضين بتحديد العيب والغلط من خارجهن .أصدر الفرمان بأن اللعبة عيب فأمتثلن .هدأ روعه ولملم شتات نفسه مرة أخرى .أصبح على أبواب الثقة ,طرقة واحدة ويدخل .

انتهى من نهر البنات وتوجه إلى الحصة الخامسة فى فصل الوحوش .فصل مكون من أربعة وخمسين طالبا ميئوس منهم .جمعوا الراسبين والمتخلفين دراسيا فى فصل واحد وأسموهم بالوحوش .يفيدون المدرسة فى الدورات الرياضية بالمنطقة التعليمية .ينزلون الملعب لا هم لهم سوى تكسيح المنافسين وكسرهم .تنهزم الفرق أماهم خوفة ورهبة 
.
فصل ضيق للغاية هواؤه جامد مكتوم .يخرج المعلمون منه ف حالات يرثى لها من ضيق التنفس والكتئاب .
كتب العنوان وبدأ فى الدرس .يعتمدون طريقة خاصة مع الوحوش .لا للتمهيد ولا للتطويل والمط .ينهون الدرس فى أسرع وقت ممكن وينفدون بجلودهم .
-اكتبوا يارجالة ورايا ...الأحماض القلوية.
فاجئته الكلمة وهو يكتب الدرس كما تفاجىء سيارة النقل سيارة ملاكى صغيرة .
-كرمبة .
إلتفت فى غيظ مكتوم .عواقب التهور مع الوحوش غير مضمونة.هادن وداعب وسالم فصعب عليهم وسكتوا .إلتفت لسبورته وتابع الكتابة .
إنطلق الصوت مجددا تحمله نغمة أخرى .
-كووووووروووووومبااااااااااااااااااااااااااة.
*الله أكبر عليكم .ربنا يحرسكم.أنتو بتغنوا أوبرا كمان؟!
 دارت الحصة سجال بين محاولة إتمام الدرس وبين ألحان أخرى للكرمبة .فاض الكيل به قبل ضرب الجرس بربع ساعة وقصدها مهرولا .إنتصب ف مواجهتها وهددها.
-على فكرة لو قلتيلى يا كرمبة تانى هقولك يا فجلة .

نتائج التهديد:
-اذبهلال معلمتين حضرتا الواقعة.
-ذيوع الخبر وإنتشاره على نطاق أوسع داخل المدرسة وخارجها .
-موضوع فى مجلة الحائط عن فوائد الكرنب صباح اليوم التالى .

3
-الله!..ذوقك حلو أوى يا أحمد .
*إحم إحم ...دى أقل حاجة عند يابنتى .
-إيه اللون ده ؟...كرمبى؟!
 وكانت الصاعقة .تبددت أحلام أم أحمد بتزويجه من بنت خاله سارة .سارة لا تدرى ومن أين لها أن تدر بما يؤرق عليه حياته ويقلبها جحيما؟!..
قُبض قلبها من سيل السباب والضرب تجاه البنت المسكينة .عجن وليس ضرب توخيا للدقة .لو قدم لها كنوز الأرض بعد هذه العلقة السخنة لن ترضى به .خلصتها من بين يديه بصعوبة بالغة .ضمدت جروحها وفكرت فى تبعات القطيعة الناجمة مع خاله.
تركوه ف حجرته كما طلب .يريد الهدوء .طالعتهم ألسنة اللهب بعد دقائق وخنقهم الدخان الذى احتل جو الشقة كاملا .
قالوا أنه يأس من الدنيا وأشعل النار فى نفسه انتحارا لكنه حكى لى غير ذلك .أراد فقط حرق الستارة الكرنبى.
تأخر علاجه لجهل والدته سبب عذاباته .طيروا البرج الباقى فى دماغه .بنت الأصول عادته فى المستشفى على كرسى متحرك مكسورة اليدين والرجلين .
جلست أمه إلى جواره تواسيه .
-قوم يابن كل بقى .دانا عاملاك فراخ ومحشى كرنب .
دخل فى غيبوبة على سيرة المحشى.

4
-مش ده أحمد إسماعيل؟
*هو !..ايه اللى عمل فيه كده؟
أثناء مشوارنا اليومى من المدرسة إلى البيت وجدناه جالسا على رصيف مكتب البريد الرئيسى بالمدينة .مشهد يستحق التسجيل ولا لوم ولا تثريب على كل من توقف وإلتقط صوة للذكرى أو للفيس بوك .
شاب فى منتصف العقد الثالث زائغ العينين بلحية طويلة يجلس القرفصاء بين كرمبتين ووإلى جواره سيدة ريفية عجوز ترتد السواد من إخمص قدميها إلى رأسها .تحك أسفل ذقنها باستمرار وتدقق فى وجهه وتضحك .
إرتعدت فى أول الأمر ورفضت الإقتراب منه .أقنعتها بالتدخل لأنها أس المشكلة ولولا الكرنبة التى إخترعتها وألقتها فى وجهه ماكان وصل به الحال إلى الجنون .غلبت عليها الإنسانية فى النهاية وهمت بمد يدها إليه فلم يحرك ساكنا .
-قوم يا أحمد متعملش فى نفسك كده .
بكت ورقعت بالصوت إلى أن انتبه لها وأعارنا سمعه .فرد قدميه أمامه وغير من قعدته .تفحص فينا مليا .عرفنى باسمى وعرفها بفجلة هانم .طلب منى أن أتركه على إنفراد بفجلة هانم .سلوكه لا يوشى بخير أبدا .امتنعت وتشبثت بيدى و بقميصى ذعرا .
السيدة العجوز تعض شفتيها فى تحفز مريب .عيناها الضيقتان تشع تساؤلات مسعورة .أستطيع أن أرى بعينى ما بداخل جمجمتها من فراغ تطارد فيه الكلاب كلابا .نباح مستمر وعض وقضم وتمزيق .
تجمع الموظفون من داخل مكتب البريد ومن الهيئات الحكومية المجاورة .شكلت رؤوسهم عاكس واسع عريض لأشعة الشمس لو أننا نستغل مواردنا الاستغلال الأمثل لصنعنا منه مولد للكهرباء يعمل بالطاقة الشمسية .
طلبة المدارس يبحثون عن تسلية وهاهى قد جاءتهم على الطبطاب .الحريمات يعشقن الثرثرة وهذا موقف رغى بإمتياز وأرضية خصبة للنم فى الجلسات النسائية .
بوادر الفضيحة كانت قد حلت وتحلق حولنا الناس فلم أر بدا من إنقاذ مايمكن إنقاذه .فليذهبا سويا إلى الجحيم ولأخرج منها انا سليما معافى.
إنسحبت وعرفنا بقية الحكاية من أحمد نفسه .

5
على عهدة الكرنبة.
فشلت فى الزج بها تحت عجلات السيارات المسرعة .عبرنا الحارة العلوية  من الطريق فى لمح البصر .أمسكت بيدى وشدتنى خلفها بخفة ورشاقة .قلت حينئذ الفرصة لا تزال قائمة فى الحارة السفلية الملاصقة للنيل .

بالأسفل كان يقدم رجل ويؤخرأخرى .جبان يحاول عبور الطريق .شاب صحيح سليم البنية عريض طويل ويخشى عبور الطريق .إبتسم لنا حين رآنا نعبر .وقف على بعد أمتارقليلة ووازانا ونجح فى العبور .فقدت الأمل فى العبور ولكنها أشارت إشارة هينة بيسراها فشلت جميع السيارات والسائقين!
-هاه يا أحمد عايز إيه؟
*كل خير يا فجلة هانم.
-ليه الغلط؟مش إحنا عملنا معاهدة صلح خلاص؟
قطبت جبينها وأبدت الضيق لتأخر الوقت .تحججت بالجوع .سمحت لها بالرحيل .واتتنى الفرصة عندما إلتفتت .حملتها فى لمح البصر وألقيتها فى النيل .

هاج وماج النيل الوقور وتحول لصبى مراهق يلوش نفسه وفى شاطئيه .إربدت السماء وغامت وإنسدل برقع من الظلمة حتى نبتت فجلة هانم فى النيل على هيئة شجرة ضخمة أوراقها عبارة عن وجوه تخرج ألسنتها الطويلة وتصيح :كورمبااااااااااااااااااااااااااة.

درت حول نفسى وجمعت ماتيسر لى من الطوب والزلط وأنشأت أقذفها وأحدفها حتى فقدت الوعى ووجدتنى مسحوبا من ثلاثة رجال ضخام الجثث بيض الثياب .
أقعونى فى مؤخرة قاعة خالية إلا من كرسى وترابيزة وخرجوا .
دقائق أو ساعات أو أيام أو سنين لا أعرف بالضبط فقد فقدت الوقت والإتجاه والزمن ودخل حاجب يمهد للقضاة وقتئذ أدركت أنها محاكمة .
أوزويريس وإيزيس ونفتيس بصحبة أربعة عشر نائبا .كلهم على .تداولوا فيما بينهم قبل البدء فى المحاكمة وغابوا  عن القاعة حتى دخلتها جموع الشعب هاتفة .
-الشعب يريد إعدام أبو حميد.
*كل ده عشان إم نضارة كعب كوباية؟!
ساد الهدوء وبدأت المحاكمة فى غمضة عين .بضطة زر واحد كفت الجماهير عن الهتاف وجلس كل منهم على كرسي وانتهت مداولات القضاة وبقيت إيمائتهم ونظراتهم فقط .
-نادوا على المتهم.
أحمد خضر الشرقاوى .
س/مالذى حدفك على المنصورة ياشرقاوى؟
ج/الموج يا حضرة القاضى.
س/ما قولك فى حابى إله النيل؟
ج/رجل ولا كل الرجال.
س/إذن أنت ملحد وتصف الإله بالرجل ؟
ج/لا لا ..إله ولا كل الألهة .
س/إرس على بر يا متهم.ألك شركاء فى الجريمة؟
ج/أى جريمة يا باشا؟
س/باشا؟
ج/شكلك محترم ولا تقل عن البشوية شيئا.
س/إنجز يا خفيف .كيف ترمى الفجل فى النهر؟
ج/لا .أنا لم ألوث ماء النهر.
س/والفجلة؟
ج/هذه عروسة النيل يا سعادة القاضى.
س/عروسة النيل لا تضع الزجاج على عينيها وتترك لشعرها حريته .
ج/قلت لها ذلك والله .
س/طيب .مابال الطوب والزلط؟
ج/ماكانتش عايزة تغرق يا سعادة البيه.
س/ولد.إحترم نفسك وتحدث بالفصحى .أنت فى محكمة محترمة .لسنا فى محاكمة مبارك هنا .هل لديك أقوال أخرى .
ج/لا ولكن لدى طلب .
س/ شايفنا حاتى يا روح أمك؟
ج/لا ولكن أريد أن أتأكد من موت العروسة التى رميتها.

يصيح أوزوريرس  بصوت جهورى يرن فى القاعة ويرجها .
-هاتوا له الجثة .


الحكم:
حكمت المحكمة حضوريا عل المتهم أحمد خضر الشرقاوى بالبراءة وبتلقينه النصائح الغالية الآتية :
لا تلوث ماء النهر يا ولدى .
النهر شريان الحياة ويمدنا بروحها .النهر يسقى أشجار الفاكهة لنأكل تفاحا وموزا وبرتقالا .النهر يسقى مزارع الخضروات لنأكل الخيار والطماطم والبطاطس والكرنب .

إندفعت فور سماعى للفظ اللعين .تمكنت من أوزوريرس فى ثوان بسبب تراخى الحراس والنواب  لبرهة من الزمن .شددت شعره شعرة شعرة .تحول رأسه فى يدى إل طبقات من الورق الأخضر .أنزع ورقة وراء ورقة إلى أن أفاقوا  وألقوا بى خارج القاعة .

 

ليست هناك تعليقات: