الجمعة، 19 أبريل، 2013

كيف تربى ابنك




1
-صباح الحب ياروح قلبى .
لونت النعومة حياتى الخشنة فجأة وارتويت بعد جفاف .صباح شفاف وخدر لذيذ يسرى فى جسدى .تقريبا سحرتنى الكلمات القليلة .لا ينقصنى الآن سوى حضنها الدافىء .كنت أحلم بها منذ قليل فى المطبخ تعد حلة من محشى الكرنب .تتعجب دائما من أحلامى .يبدو أننى كما يزعمون همى على بطن .للحلم شق آخر وهو المهم والمعتبر .لولاه يكون الحلم مجرد هلوسة .حسنا لنحكى الحلم منذ بدايته .
الجو الحار فى الخارج يدفنى للإسراع .البيت جنة ونعيم مقيم .فى مقابل التراب هناك شذاها المحيط كأنما تضطر الحوائط لإفرازه ردا لجميل جمالها حتى وإن كنت واهما وكان الشذى عبارة عن رائحة البصل والثوم يكفينى فقط أن أدس رأسى فى صدرها وأتشمم.أصوات الباعة الجائلين وآلات تنبيه السيارات المزعجة فى الخارج وفى الداخل رقة صوتها وهى تنادينى :يا حبيبى .

ها أنذ أهرب من الدنيا وأهرع إليها .أسلم نفسى على الباب وأعطى التمام .ألتقط حبيبات الأرز العالقة على يديها كالطير الجائع إلى شىء غيرالطعام ولكنه مبرر للقُبل

-إرتاح لحد الغدا ما يجهز يا حبيبى .

أسمع الكلام وأمدد على السرير .أغطى وجهى بقميصا الأبيض .يوقظنى الصوت العذب الرخيم :صباح الخير يا روح قلبى .

ما أجمل أن يكون الإنسان سعيد فى نومه ويقظته معا .من العبث ألا يعترف بتملكه الكون بأسره فى هذه الحالة .

تزاح الستائر فى رفق .يتهادى الضوء إلى الحجرة .يتراقص ف تناغم مثير مع مشاعر .أريد أن أرقص .تتحرك يدها برفق من فوق البطانية .تهدهدنى كما يهُدهد الأطفال .أنا طفل .ليت الزمان يعود يوما .ولكن لماذ الطمع .ليت الزمان يتوقف عند هذه اللحظة .يجدر بى الاستعداد لقبلة خاطفة .

صوت كركبة مفاجىء يبدد الانسجام الحاصل بينى وبينها وبين السرير وضوء الشمس .يعلو باضطراد .تصرخ فى عنف .
-قم يا ابنى بقى عشان نرتب الاوضة .
يا نهار أسود!.لم تكن هى .كانت أمى .كيف تتلاشى الحواجز بهذا الشكل .على كل الحمدلله أننى لم أقبلها فى فمها كعشيق .ولكن كيف عرفت بصباحى الخاص مع رنا؟.
2
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ...يظان كل الظن أن لا تلاقيا

ما إن ترانى حتى تترك المكنسة وتصلب طولها وتتأهب للغناء .تتنحنح ثم تتذكر المنديل .تحضره بسرع من لتكمل هيئتها .تقلد فى الوقفة أم كلثوم وفى طريقة الغناء تتبع خطى فيروز .تأخذها الجلالة وتندمج فى القصيدة .

داخلنى الشك .لا بد أنهم يراقبونى .هذه العائلة المجنونة إتفقت على .أمى تصبح على بود وحنان شديدين وهاهى بنتها تترك المكنسة وتشرع فى وصلة غناء شرقى, وأى غناء!.
بيت الشعر هذا بالذات نطمئن به روحينا القلقتين كلما طال الغياب .تسافر فأودعها به وأسافر فتودعنى به .لا يعقل أن يبتذل سرنا هكذا . لابد أن هناك خطأ ما .

هل نسيت نفسى بالأمس وأنا معها عل التليفون؟.حرصى يدفعنى للحيطة والحذر مخافة إعتراض والدى أو سخرية أمى .سينشدون الإسطوانة المشروخة الأزلية لو تسرب إليهم شىء.مازلت طالبا يا مغفل .أتُحب أنت ويصرف عليك غيرك؟.طيب تمهل حتى تنبت ذقنك .

احتمال وقوفهم على باب الحجرة مستبعد .لو وقفوا لأحسست بهم وأنهيت المكالمة.آه ليتنى ما غلت مكبرالصوت حينما تغنت بالبيت إياه .أسمعتها المفعوصة ولعبت على أعصابى ؟.صدفة ؟.أتمنى أن تكون صدفة والعيب فى عقلى أنا .

حاولت تجاهلها والمروق  بين الكراكيب والمكنسة إلى الحمام فاعترضتنى .لسانها طويل كم تمنيت لو أقطعه .أكره من يخرجون ألسنتهم لأن ذلك التصرف يشعرنى بحرارة الجو الشديدة وإن كنا فى طوبة .أتصبب غيظا وعرقا .أهشها بالفوطة فتتفادها وتضحك .ياللمهزلة .بين ليلة وضحاها أصبحت أضحوكة .لعبة يتسلى بها الصغير والكبير .دفعتها فى حنق لأخلى طريقى .يفترض بعد هذه الدفعة المصحوبة بنظرات الإحتقار أن تبك أو تغضب .لم تفعل هذا أو ذاك .هذه المفعوصة لا دم ف عروقها .
-ادونا فرصتنا بقى.اشمعنى انا؟.
آااااه.. اظهر وبان عليك الأمان .فضحنا الله فى يوم سوق .ليس إحتمال إذن .لاحظت ارتباكى فكثفت هجومها .أمسكت بالمساحة فى يد وبالمنديل فى الأخرى ورفعتهما عاليا مع عقيرتها .فى هذه الأثناء إكتشفت قاعدتى الخالدة التى أسير بها إلى اليوم .العنف سيد الأخلاق .ليتنى لطشتها قلمين أو إقتلعت شعرها على مهل شعرة شعرة .للأسف لم أتعرض لها وأفرغت غضبى فى باب الحمام .
3
طرق الباب على غير العادة .سلوك يدعو للريبة .إما أنه مريض أو أن حكم بالإعدام سنفذ فى قريبا وبناء عليه فقد لبى أمنيتى البعيدة بالاستئذان قبل الدخول .كان على سنجة عشرة .أعتقد أن هيته التى ظهر عليها كلفته الكثير من الوقت بمساعدة أمى بالطبع .عطره الذى لا يضعه إلا فى المناسبات المهمة يسبقه .غطى بالمتبقى من شعره منقطة الصلع الجرداء فى منتصف رأسه .البيجامة مكوية بإتقان والمركوب من لونها .أبيض فى أبيض كالملائكة .

زاد على هم جديد غير التفكير فى طريقة كتم صوت المكالمات عنهم بشكل كامل .إختار الموعد بدقة .هل يعرف أننا نبدأ عادة فى الثانية عشرة من كل ليلة؟.أبحث بتوتر عن حيلة لزحلقته .إدعيت المذاكرة فلم يتراجع .توجه للسرير مباشرة.خلع خفه فى رزانة وإتزان غي معهودين وقلب ناظريه فى فضاء الحجرة ثم تمدد على السرير .
-ضوء القمر يا ولد .
*الليلة ظلماء.
-سيمفونية بيتهوفن يا حيوان.
*حضرتك لا تحب الموسيقى .خير؟
-اخرس.نفذ الأمر .
*بيتهوفن؟
-نعم .بطل استهبال .السيمفونية السابعة موجودة على تليفونك المحمول وعلى الكمبيوتر .
*حاضر يا بابا .
دعوت فى سرى أن تنقطع الكهرباء وحضرت الفكرة .السلبية صفة مقيتة وتعود صاحبها العجز .قررت أن أخرج وأفصلها بمعرفتى عن البيت كله .جاءنى تحذيره مزلزلا .
-إياك وعداد الكهرباء يا خفيف .
الحج نوى على الشر خلاص
أوشكت على البكاء فعدت أدراجى .إختبأت بين دفتى الكتاب .نومه فى سريرى خلف المكتب وخلفى يدغدغ أعصابى .لملمت شتاتى وأخزيت الشيطان .لا يصح أن أقل أدبى والدى .ليلة تفوت ولا حد يموت .فلتُخصم من سعادتى مكالمة .سأقابلها فى الجامعة وأحكى لها عما حدث وستضحك .
-موسيقى عبقرى .يسحبك برفق ويصعد بك إلى الأعلى .تصور يا ولد أنى أرقص فوق النجوم الآن؟.تصور يا عديم الذوق والخيال تصور .نادى على أمك لترقص معى .لا يصح أن أستمتع بمفردى .ركز معى ركز .أنتقل من نجمة لأخرى فى رشاقة وخفة .توازنى محفوظ فلا جاذبية تؤثر فى ولا دياولو .أنا خارج قوانين الفيزياء التى يحشونها فى رؤوسكم.
هى الهلوسة .من المؤكد أنى أخر كالقربة المخرومة كل مافى صدرى وأنا نائم ويبدو كذلك أن زورى واسع حبتين .لا أستبعد أن يحدثنى عم رمضان صاحب المطعم الموجود تحت شباكى عن أسرار أكثر حميمية من التى يتلاعب بها أهل بيتى .
رحمنى ولم يزد .قام من سريرى وربت على كتفى وخرج .عز على النوم ورغم ذلك قفلت فمى بشريط لاصق لأضمن السلامة من الهلوسة .
4
زادت الشوارع طولا واتساعا.
لقاء الأستاذ عاطف على السلم كان بمثابة عود كبريت إشتعل دون حساب وسط بنزينة طفح فيها الزيت والسولا.نسميه فى الشارع (أبو بدلة جنان ).فقد الزمن بشكل باغتنا جميعا .نمنا وصحونا فإذا به يرتد بدلة واسعة للغاية وعريضة الياقة والأكمام بما يثير السخرية والتهكم .خرجت من الشقة لقيته فى  وجهى .لم يسبر أحد غوره .خشيت من تمسحه الغير مبرر  بمحدثيه فإبتعدت عنه قدر الإمكان .لاحقنى.
-استنى يا بهاء ..انا عايز اسلم عليك يا أخى .
نحسبه شاذا لكنه لا يفوت ركعة واحدة فى الجامع .الله أعلى وأعلم .قد يجتمع هذا مع ذاك والنوايا مستورة لا يطلع عليها بشر .حذره الشيخ سادات من طريقة تعامله مع الناس .نصحه بالتخلى عن السلسلة التى يعلقها فى رقبته ثم عن الحظاظة حول معصمه .بصراحة هو مطيع ويلتزم بأوامر ونواهى الشيخ سادات لكنه يبقى مريبا .
-شكلك منمتش كويس .عندك مشكلة؟.قول يمكن اساعدك .
أكره اللحوحين جدا فى الأوقات العادية وأود أطبق فى زمارة رقبتهم إذا تعرضوا لى فى أزماتى .تركته عالقا فى لسان البواب وهربت .
5
يتضح مزاجها من قضمتها .كانت تأكل كبغل .لو رأيتها تأكل هكذا قبل وقوع الفأس فى الرأس ما كنا إرتبطنا بشى ء وما قضينا الليالى فى بث الأشواق والقبلات.ينز المايونيز من الرغيف الذى تمسكه كما تمسك لبؤة شرسة قطعة من لحم فريستها .طيت شفتاها بالأحمر .أصبحت كدراكولا أصيل .

لمحتنى قادما من بعيد ولم تبربش جفونها أ ترتعش أو تهتز لها شعرة .أنا خسارة فى هذه البنت زعلام أحبها كل هذا الحب؟.عندما إقتربت أومأت لى برأسها أن أقعد قبالتى فقعدت على على نفس درجة السلم وعطلناه صعودا وهبوطا .

احتفظت بصلابتها حتى أجهزت على كيس السندوتشات المملوء عن آخره ثم نظرت لى مليا وتربعت ثم وضعت وجهها بين كفيها وبكت طويلا وبعدما أفاقت من نوبتها أذهلتنى .
-بابا قرر يراقبنى .
6
إعتصرت قريحتى وبدأت أفكر جديا فى دواعى المراقبة  تحاشيا للظلم .لدى خيال مريض وقرارات مؤجلة من شأنها الإضرار بجميع من حولى ولكن من أين لهم بالإطلاع عليها ؟.ليس من الصعب على والدى الكشف عن أى شى طالما ألم بكلماتى عن سيمفونية بيتهوفن .إذن فهى الحرب .

رزعت الباب فور دخولى الشقة كالمجنون غير عابئا بتهديدات أمى وفم أختى المفتوح على اتساعه .كان أبى فى عمله والوقت كان العاشرة صباحا .فعلت ما حلا لى براحتى ودن مقاطعة فعلية .
-أين الكاميرااات؟
خافوا منى ومن صراخى .
ما أحلى الشعور بالقوة وبالغطرسة .لن ينساه من يجربه .مزقت المرتبة وألقيت السجادة من الشباك ورميت الدولاب على الأرض ولم أجد الكاميرات .
وقفتا على الباب فى حيرة من أمرهما .لم تهدأ ثائرتى إلا بعدما وجدت السر يسقط من بين الكتب الملقاة على الدولاب .كتاب لعين يحمل عنوانا لزجا "كيف تربى ابنك".

هناك تعليق واحد:

ريوبى يقول...

موضوع ممتاز
ryobi