السبت، 18 يناير، 2014

الأرواح السبعة للسيد وليد

بعض الأماكن تود الهروب من بعض المشاهد أحيانا ,لكن ما يمسكها شىء غامض يريد الدفع فى إتجاه استمرار البشر فى حماقاتهم .سيكون جميلا لو هربت هذه الأماكن وتركت الصراع يدور فى الفراغ ,فى اعتقادى أن الكثير سيصاب بالذهول والفزع والأكثر لن تفرق معه المستجدات بسبب البرود والعدمية التى تزرعها فينا الحياة يوما بعد يوم.
1
عيش ..حرية..كرامة إنسانية
كان يهتف ملء حنجرته وشدقيه منذ قليل بأشياء من هذا القبيل ,كان غارقا حتى أذنيه فى الحماس ,له وجه مدور يشرق كالشمس حين يبتسم ,يعود للخلف عشرين عاما حين يضحك,كان يسير على قدميه وتمارس أعضاؤه وأجهزة جسمه عملياتها على مايرام قبل أن تخترق جسده رصاصة متجبرة صانعة فى صدره دائرة قطرها عشرة سنتيمترات.
أغريب أمر الرصاصة والدائرة؟
هذا ماحدث ياعزيزى واسأل عنى فى كل حوانيت المدينة السوداء اللعينة ,قل لهم محمد التميمى وانتظر ,لا تزد ولا تنقص فاسمى لا يجب أن يقترن بغير اسمى.
-محمد التميمى رجلٌ قال ربى الله ثم استقام.
-اعصره ولن تجد سوى ضمير وصدق.
أذكر رجلا زاد على وصف"اعصره" سؤالا ظريفا فقال:على كده فيه عصير قصب؟..أذكره جيدا وأداوم على زيارة قبره مطلع كل عام ميلادى .
همد وخمد وأسجى على الأرض وواصل المتظاهرون غضبهم وفى المقابل تسمر رجال الشرطة فى أماكنهم وقذفوا القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطى والخرطوش والحى .لم يفتقده أحد فقد كان العدد ضخما للغاية ولا مجال للافتقاد أو البكاء ..كان الغضب,الغضب وفقط ,طالما بقيت حناجر تصرخ وقلوب تزأر فلا يهم المسجى على الأرض ,كلنا للأرض.
أول ما تحرك فى جسده العائد إلى ممارسة عملياته الحيوية كانت يداه فجدف بهما فى الهواء كغريق يتعلق بشىء ما خفى ثم هدأتا تدريجيا وبدأتا فى لملمة محتويات الدائرة التى أفرغتها الرصاصة من صدره ..لم يكن القلب واضح المعالم كما هو فى كتب طلبة الطب ,لا بطين أيمن ولا أيسر ولا حجرات ولا شرايين موصلة ,كل ماهنالك فتات اختلط بتراب الأرض ودخان القنابل ودموع الناس.
عادت عيناه للحياة فرأت اليدين وهما تجمعان الفتات فأغرورقتا بالدموع وبدا على وجهه عدم الرضا .توقف عن الحركة والنظر لثوان ثم تذكر حين عاد مخه للعمل أنه لا يتسوق فى مول تجارى ليطلب الإبرة والصاروخ بل يحاول أن يعيد تشغيل نفسه من جديد فاستمر فيما بدأ.
أتم عمله واستوى على قدميه من جديد .الشارع خلى من الرفاق ,لم يبق من المشهد القريب غيرالدماءعلى الأسفلت والهواء الملبد بالدخان .قطع الشارع لآخره ,لم يبق شيئا واحدا على حالته,النتيجة:لم يصمد أحد.
هاله حجم الفوضى والتخريب ,محلات منهوبة ,مصالح حكومية مشتعلة بالنيران,أرصفة متكسرة,نوافذ محطمة.بيوت موصدة بالجنازير والحديد,جثث هنا وهناك,حياة منزوعة الدسم.
لم تكن لديه رفاهية التوقف للعن الناس وتفنيد أسباب الهمجية والخروج عن السوك القويم فأكمل ومشى.
وصل أخيرا للميدان.ثمة تجمع هائل من المحتجين يسدون المداخل والمخارج ويصطنعون ضوضاء عالية .
انصب اهتمامه منذ اللحظة الأولى على الشيخ يوسف الذى يعتلى منصة الميدان ويصل صوته لأبعد مكان فيه بمساعدة مكبرات الصوت المنتشرة فى أرجائه.شيخ طاعن فى السن يرتدى جلبابا أبيض وشالا بنفس اللون ويتأرجح صوته بين الهدوء والانفعال:
 الثورة نعمة من الله وفضل عظيكم فاستغلوها فى الخير وولوا عليكم من يتقى الله فيكم ,ولوا من يخاف الله ويطبق شريعته,والله إن الدماء لغالية وإن الثمن لفادح فابتغوا به رضوان الله ومرضاته ولا تعصوه من بعد فضله ..يا أهل مصر الأخيار ياخير جند الأرض يامأوى الخائفين وملاذ أهل بيت سول الله,كونوا كما أراد لكم أن تكونوا ولا تضعوا أيديكم فى أيدى السفهاء ,مصر اليوم بحول الله وقوته إسلامية ولو كره العلمانيون ,ولو كره الافرون,ولو كره اليهود والنصارى,ولو كره الخونة والمتآمرون.
استشاط غضبا من كلام الشيخ يوسف فحاول شق طريق وسط الزحام ليصل للمنصة .إرتاب فيه الناس من مرأى ملابسه الممزقة المغطاة بالدم الطرى الطازج فدفعوه بعيدا.
-حاسب ياجدع,أنا دفعت روحى فدا البلد
*وإيه يعنى؟!..أمثالك كتير
-يعنى إيه؟
-يعنى إبقى تعالى بدرى ,الأولوية للى يلحق مكان مش للى يدفع
*وانتوا موافقين على كلام الشيخ الأهبل ده؟!
-أهبل؟!..لحوم العلماء مسمومة يا أستاذ
إلتفوا حوله فى تحفز وعدوانية ,سبه البعض ولكمه البعض الآخر فى أنحاء متفرقة من جسده .
*حرام عليكم..حرام عليكم
-دللوقتى عرفت الحلال والحرام؟!ّ..صنف نمرود
تقدم رجل بدين له كرش ضخم ووجه غرائبى أفطس الأنف وضيق العينين له زبيبة صلاة عجيبة الشكل على هيئة حدوتى حصان متقابلتين وطلب من الجمع أن يحكموه فيمن سب علمائهم فحكموه.
تنحنح وتحسس لحيته المشعثة وسار بيديه على كرشه الضخم فى بطء وقال:ذنوبك ثلاثة وهذا رقم لا يُستهان به ,أما أولها ففى حق نفسك عندما أنفقت ما أعطاك الله فى مظاهرات لها شعارات غربية كافرة ولا تضع على أولوياتها تطبيق شرع الله ,وأما ثانيها ففى حق بلدك حين تفاخر على إخوتك فى الوطن الآن بيإنفاق روح من أرواحك فى سبيل البلد ,وأما الثالث وهو معقد ومتشابك ومتفرع إلى ذنوب أخرى ألا وهو سبك للشيخ يوسف,الشيخ يوسف أعلم أهل الأرض .
*اخترع دوا للسرطان؟
-مولانا الشيخ يوسف ليس كيميائيا
*اكتشف كوكب جديد؟
-مولانا الشيخ يسف ليس فلكيا.
*بنى مدرسة لقرية محتاجة مدرسة؟
-مولانا الشيخ يوسف ليس مهندسا معماريا.
*كفل يتيم؟
-مولانا الشيخ يوسف لم يخلفكم وينساكم.
*أمال أعلم أهل الأرض إزاى؟!
-هذه حقيقة واضحة للعيان ولكن الله ختم على قلبك فلن تراها مثلنا.
يحاول الهرب فيدهسونه بأقدامهم وسط تكبيراتهم وتهليلاتهم وأناشيدهم الدينية.
2
قميص مكرمش ينادى مكواته,هكذا كان وهكذا بدأت رحلة البحث عن مكواة.تغيرت ملامحه بحث يصعب التعرف عليه من أقرب المقربين لديه ,لا داعى للخوض فى تفاصيل شكله فسمعة الولد أمانة فى أيدينا والتاريخ لا يرحم .ماذا ستسفيد ياعزيزى إن قلت لك إن قلت لك أنه أصبح غير قادر على الخلف أو على التقبيل ,للأسف أنت تريد جنازة لتشبع فيها لطما.
قاوم شعوره بالتعب الشديد والضعضعة وتكور على نفسه وجرى فوق الإسفلت المُكسر كالكرة المصنوعة من فردة شراب محشوة بالقش وللمرة الأولى فى حياته كان حظه جيدا إذا صادف فى طريقه جرار رصف يعيد رتق الحُفر التى استُحدثت فى أحد الشوارع,ألقى بنفسه أمامه ومنى نفسه بكية هانئة إلا أن سائق الجرار انتبه له فى اللحظة الأخيرة.
-قوم ياخويا بدل مايحسبوك عليا نفر
*أبوس إيدك اكوينى 
-قوم ياض بطل كهن
*أبوس إيدك افردنى
-ده مش من سلطتى
*المضطر يركب الصعب
-أتجازى علطول,اللايحة مابترحمش,أنا شغلتى رصف مش كوى
*ياعم احنا فى ثورة
-اخرس,دى مش ثورة دى انتفاضة
*انتفاضة انتفاضة ياعم بس رجعنى زى ماكنت
بعد صد ورد رثى السائق لحال الفتى فداس عليه ثلاث مرات ذهابا وعودة حتى انفرد وصار مسطحا كالورقة وبقيت مرحلة واحدة ليعود طبيعيا كما كان,بقى النفخ.
انعدمت مقاومته لهواء بشكل نهائى فصار ورقة فى مهب الريح شالته وحططته حيثما شاءت ,ويبدو أن كل ما فى هذه القرية الظالم أهلها سىء النية حتى الريح التى استقرت به فى قسم البوليس.
*عايز اتنفخ ياباشا
-نعم ياروح امك؟..انت حقوق انسان يالا؟
عايز تتنفخ عشان تتصور وتنشر الفيديو وتفضحنا؟
*لا ياباشا والنعمة غرضى شريف
تأمله الضابط صاحب الشارب الكث الكثيف ودار حوله عدة دورات بينما هو مربوط إلى كرسى وطاولة فوقها مصباح كهربى ضعيف الإضاءة .زبون أنظف من الصينى بعد غسيله ولا شبهات حوله ولكن الاحتياط واجب ,سار الاستجواب فى طريقه المعتاد.
-أنا شفتك فين قبل كده؟
*الله أعلم ياباشا,هو وأنتم ترونا من حيث لا ندرى ولا نعلم
-قصدك ايه ياحيوان؟
*ماقصديش ياباشا,أبوس إيدك انفخنى
-مش إنت الحمار اللى وقف يجعر فى وشى من يومين؟
*بس ماتقولش يجعر
-عامل نفسك جيفارا ياروح أمك؟
*بس ماتشتمش
-انفخووووووووووووووه
*هييييييييييييييييييه
-لاء استنوا..لا يمكن أنوله اللى فى باله
*أنا فى عرضك ياباشا
يتقدم الباشا من صاحبنا ويمسكه كورقة بين يديه ويمزقه وينثره فى الهواء من خلا نافذته المطلة على الشارع.
3
هاهو قد تمزق
هاهى البدلة الميرى قد فرقته من جديد 
صار فوق الرصيف أفكار متناثرة
بات كلمة هنا وكلمة هناك
تحول إلى جُمل وعبارات تهاجم المارة والجالسين فى بيوتهم ومقار عملهم فى شراسة,على غرة,دون حمة.


-هنتجوز امتى بقى اأنا زهقت؟

*مفيش جواز قبل مانوصل لكاس العالم
-دمك تقيل
*خسئتِ
-ثكلتك أمك يافتى
*والله إنتِ زى العسل
-والله إنت اللى سكر ,هو أنا وقعت على بوزى من شوية؟!
يسير الشاب ممسكا بيد خطيبته كصفورين جميلين فوق الرصيف قبل أن تمر فكرة شاردة من بقايا ضحيتنا الممزقة فيدور حواا مختلفا تماما بين الإلفين.
-إنت بتحبنى قد إيه؟
*قد كدهوه
-اللى هو قد إيه يعنى؟
*إنت عميا؟!..بقولك قد كدهوه 
-اتعميت؟..والله ماحد أعمى غيرك
*بتشتمينى يابنت سنية العمشا؟!
-عمشا فى عينك يابن الكلب
*آه يافلول يازبالة
-امشى مش عايزة أشوف خلقتك
*طب ودينى مافيه جواز غير بعد ما الثورة تحقق أهدافها.
وبعد الجز الثانى من الحوار راحت فى طريق وراح فى طريق وانتهى الفيلم.


فيلم آخر:

سبحانك يارب..كان الشيخ الأزهرى المعمم متربعا فوق الكرسى ال"رابيسك لضخم يشرح ويفسرويعلم ويقدم صحيح الإسلام الوسطى لكريم.
سبحانك يارب..يامن تمنح الهيبة لمن تشاء وتخلع على من تشاء رداءالمسخرة والتهكم,للجبة والقفطان هيبة وللوجة حلاوة وللكلام طلاوة وللبسمة سحر آسر .
-ويا إخوانى ربكم ربقلوب ,جميل يحب الجمال ,بعيد عن العنف وسوءالمقال,وكلنا فى كنفه أحبة وعيال وكل ماترون من أفاعيل سافلة,وكل ما تسمعون من أباطيل جاهلة,لا دخل له بالإسلام ولا صلة ..الإسلام هنا فقط,عندنا نحن أهل البحث وأهل الدرس .
أُخذ الجمع بكلام الشيخ وعضوا على شفاههم ومصمصوها وتصعبوا وحوقولوا وهللوا وتشهدوا إلى أن مرت إحدى الجمل الشاردة من بقايا ضحيتنا الممزقة فتبدل الحال ..
-بصوا بقى يسيدى إنت وهو ..بقى عقلك فى راسك تعرف خلاصك


إنترفيو

-حضرتك بتعرف تتكلم إنجليزى؟
*أينعم
-كويس ,بتعرف تتعامل كويس مع الكومبيوتر؟
*طبعا باعرف أفتح وأقفل وأعمل كوبى باسط وكل حاجة
-كوبى باسط؟!
*آاااااااااااه..فيه حاجة؟
-ده مش إنجليزى يا أستاذ
*إنت هتعرف إنجليزى أحسن منى؟
-راعى إنك فى شركة محترمة مش فى فرن
*لاء فى فرن 
-يا أمن يا أمن
لم يجب نداء الأمن أحد 

استفرد المتقدم للوظيفة بالرجل الذى يجرى المقابلة وبعد دقائق شُوهد وهو يخرج من البناية وقطع اللحم الصغيرة تتساقط من فمه تشر دماءًا.
خطاب السيد الرئيس

حفل مهيب فى قاعة ضخمة وحضور كثيف ورئيس متأنق يصعد إلقاء خطاب ما وسط تصفيق حاد.كل شىء كان يسير على ما يرام إلى أن ظهر صوت ملعون غامض يقاطع السيد الرئيس ويتباذىء.

الرئيس:السادة القضاة
الصوت الغامض:حمرااااااااااااا
جئت إليكم اليوم لأنها
الصوت الغامض:حمرااااااااااااا
الرئيس:لأنها تحتاجنا جميعا وهى لابد أن تكون
الصوت الغامض:حمرااااااااااااا 
الرئيس :لابد أن تكون جنة خضراء
يلتقط الرئيس أنفاسه ويبتسم فيضحك الجمع
الرئيس:الحمدلله ماقالش حمرا..لابد أن نعبر إلى المستقبل فبلدنا تطلب ذلك منا وهى
الصوت الغامض :حمرااااااااااااااا
الرئيس:لاء بقى,هاتولى ابن الكلب ده
يشير وزير الداخلية إلى رجاله فينتشرون فى القاعة ويعتقلون البعض ويعاود الرئيس خطابه من جديد
الرئيس:لابد من تنظيف البلد,لابد من تنظيفها لأنها..
الصوت الغامض:حمراااااااااااااا

فى البدء كانت الريح وفى النهاية كانت,راكم الهواء قصاصات الورقة فى جراج عمارة تحت لإنشاء كان يختبىء بها أحد المتسولين لذى جمع لقصصت إلى جانب أشياء أخرى عثر عليها وأشعل فيها النار طالبا الدفء فتصاعد الدخان من النار حاملا معه روح صاحبنا التى عادت بشرا سويا من لخم ودم بعد دقائق من الحرق.
4
استعاد شكله القديم من الدخان ومشى فى إتجاه وهمه الأبدى.
الوهم امرأة وإنها لمروة.
إرتدى حلته الأثيرة ودق على الباب وقلبه فى صدره يدق بوتيرة أسرع.فتح الباب عن سيدة سمينة سمراء فى اأربعينيات ترتدى خمارا سماويا فضفاض وتبتسم نصف بتسامة وتدعوه للدخول ويخالجها قلي من التردد
-وليد؟,إزيك يبنى وإزى أمك؟
*الحمدلله يا طنط
-أهل أهل..تشرب إيه؟
*لا شكرا يا طنط,هى حنان فين؟
-فى الشغل يحبيبى,عقبل أملتك بقت مذيعة قد الدنيا
*ما شاء الله .زحنان طول عمرها مجتهدة وتستهل كل خير
-شد حيلك بقى إنت كمان
*والله باحاول ياطنط
-وبتشتغل إيه دللوقتى ياحبيبى؟
*لسه بدور على شغل
-لله؟..مش إنت ناشط سياسى يابنى؟
*لا والله مافيش نصيب,توفيق بقى
-يللا يابنى خير ,المهم تكون مسكت فى شغلانة أحسن
*هوه بحاول,عايز أستقر وأظبط حالتى النفسية شوية بس عشن كده جيت لحنان
-حنان مش دكتوة يابنى,سمع نا بصراحة خايفة ع البت منك
*منى أنا؟!
-ما تآخذنيش يابنى شكلك ضايع خالص وما تنفعش تفتح بيت
*أنا؟
-لحق مايزعلش يابنى
*يا طنط أنا وليد بتاع عيش حرية عدالة جتماعية ,بتاع لثورة
 -تفتح بيت الحاجات دى؟
*تفتح جنة وتفتح جهنم
-تأكل عيش؟
*من يومين كنت فرحانة بينا!
-من يومين
*ودللوقتى؟
-كل وقت وله أدان يابنى
حى على الفلوس
حى على النفوذ
حى على الوجاهة
مش حى على الصعلكة
يُصاب الولد بأزمة قلبية يموت على إثرها
5
أكان لابد أن يذهب والده إلى المشرحة بالبيجامة؟!
كان شكله مسخرة وهيئته تدعو للموت ضحكا.رجل تخطى الستين وتخطى كرشه حد غير مسبوق يُرى معه على هيئة كرة منبعجة من الدهن يعلوها رأس أصلع مشعث الشعر على الجانبين.
فرك عينيه وتطلع حوله قبل أن يبدأ وصلة السباب المسجلة باسمه فى هيئة فنون الردح العالمية.
-اطلع ياجحش
اطلع ياطور
اطلع ياخويا
عامل نفسك بطل؟
ذنبى إيه أنا دور على المستشفيات وكل يومين أجيبك من مشرحة شكل؟!
*هنكدب من أولها!
يدور الأب حول نفسه ليحدد مكان ابنه ,الأدراج كثيرة ولكن الجثث تفيض عنها ,اختلط الأمر عليك,ارتبك وتفصد العرق من جبينه الضيق.
-إنت فى أنهى داهية؟
*يخص ع الأبوة,ده بدل ماتاخدنى بالحضن؟
-طيب ورينى نفسك عشان أخدك حضن
*اتكلم كلام معقول الأول
-والله عال,بعد ماصرفت عليك دم قلبى هتعلمنى المعقول واللى مش معقول ؟
*ياعم اجرى,انت آخر بنطلون جبتهولى كان فى تالتة إبتدائى
-والسهر والتعب والخوف والمرارة والضغط والسكر؟
 *ياسيدى كان زمانك مت ,أنا اللى باموت أهوه
-بتفول عليا ياكلب؟
*ياعم وانتوا بيحوء فيكو حاجة؟
-ياقليل الرباية,انزل وأنا أوريك شغلك
*يفتح الله ياعم مش نازل
-انزل يامجنون لسه قدامك فرصة
*مش عايزها
-هتكمل بقية عمرك شبح؟
*ع الأقل أعرف أهضم شبحيتى
-هضم إيه وزفت إيه يابنى؟
*مش قادر أهضمك
ومش قادر أهضم الأسرة الكريمة
ولا الشارع المبجل
ولا المدينة الكئيبة
ولا البلد ولا الوطن المغشوش
كل حاجة غلط 
-تانى؟!
هتعمل نفسك مُخلص تانى؟!
يابنى فوق وبص لنفسك
إنت تافه ..إنت حشرة,لو مت مليون مرة مش هتغير حاجة ,دى دنيا ومسيرها الأكبر منى ومنك وإحنا عبيد,أيوه إحنا عبيد بغض النظر بقى عن الشعارات اللى إنت حافظها..انزل بقولك
*وده أدعى لإنى أفضل هنا,أفضل شبح,أفضل ميت..هنا باتفرج وباشمت فيكو كلكوا
-عشان خاطرأمك العيانة
*هى عيانة وأنا ميت..مين يصعب على مين؟
-إنت كده بتضرب عرض الحائط بيا وبأمك ,بالأبوة والأمومة وبالقدر وبكلام ربنا
تستقبل جدران المشرحة آخر كلمتين وترددهما فى صدى عال 
كلام ربنا..كلام ربنا..كلام ربنا..كلام ربنا..كلام ربنا
ينتبه الملائكة للصدى ويزنون الأموربقسطاسهم فيلكزون الولد ليعود للحياة من جديد وتلفظه ثلاجة الموتى تحت قدمى والده فيحمله ويعود للمنزل مباشرة.
كانت أمه تنتظره ببعض الأدعية والرقى الشرعية وباللبوس فى النهاية.
بمجرد أن أدخلت قرص واحد من اللبوس فى مؤخرته حتى مات مجددا.
6
فى صحوته الأخيرة وجد نفسه وحيدا وحرا ففكر مليا ووصل إلى الحل السليم الناضج,أشعل فى نفسه النار وتلاشى سريعا .

ليست هناك تعليقات: