السبت، 23 أغسطس، 2014

بدل سفر..من دفتر أحوال العمال



-إلحق يا رامى .شالوا بدل السفر
*ونروح بيوتنا مشى؟
-جابوا لنا أتوبيس.
*يعنى العشرة جنيه طارت.
-البقية فى حياتك.

القرن الواحد والعشرين والحكومة الذكية مشجعة الاستثمارات والحاضة على ضخها فى عروق الدولة المتيبسة حتى تنضح بالحياة وجدت حل البطالة أخيرا.على العمال السفر يوميا من محافظات الدلتا إلى محافظة بورسعيد حيث مصانع الملابس الجاهزة .خمسة ساعات تستهلك فى السفر يوميا بالنسبة لى وستة وسبعة بالنسبة لآخرين يسكنون مناطق مطوحة فى محافظات بعيدة .

 اطرح أيام الجُمع من عدد أيام السنة , الأجازات  الوحيدة من نوعها المُعترف بها فى القطاع الخاص, تجدنى أنفق ألفا وخمسمائة وسبعين ساعة داخل علبة من الصفيح تشخشخ وتجعر وتفرهد فوق كل المطبات .اقسم الرقم على عدد ساعات اليوم الواحد تكتشف أننى كائن مواصلاتى بإمتياز حيث أقضى من سنتى الميلادية ما يربو على الشهر بأربعة أيام ونصف مشردا على السكك.

وبعد هذا يقطعون بدل السفر؟
كنا ننفق نصفه فى أجرة الرجوع لبيوتنا والنصف الآخر فى سندوتشين أو طبق كشرى وكوب من عصير القصب نرد به روحنا فى نهاية يوم طويل من الرق الحديث المُقَنع المُزَركش ببعض اليافطات عن حقوق العمال.

نُقِلَ الخبر فى جو من الإحباط كسا وجوهنا فزادها إصفرارا على إصفرار .

-يعنى مفيش بدل النهارده؟.طب أنا جعان .
وهذا ماكنا نخشاه  وننتظر حدوثه بقلق بالغ
.لقد جاع عماد الصياد فليأخذ المحيطون به حذرهم .
ابحث لنا عن ساتر أيها المتهور الواقف على مقربة منه .
عندما يجوع على فإنه يلهث لسبب لا نعرفه .اللهاث علامة العطش وليس الجوع .إهتز جسده غضبا وظل يشوح ويلوح بذراعه لنا وللأمن المسئول عن توزيع البدل المأسوف على شبابه .

-مفيش بدل سفر يبقى مفيش أوفر تايم .هو استعباد يعنى؟يجبرونا على السهر بعد ساعات العمل الأصلية وكمان على طريقة السفر؟

الرد الجاهز من المديرة ف هذه الحالة هو أن الباب يفوت جمل .من لا يعمل بقواعدها وقواعد الإدارة فليتفضل مع السلامة والعمال على قفا من يشيل.

صرفنا الكثير من الوقت بعد سماع ردها فى تحليل كلمة القواعد .القواعد مفرد قاعدة والقاعدة حدث ولاحرج والشيطان شاطر .وقانا الله من الإإنزلاق فى التحليلات البذيئة بأن بعث إالينا الشيخ مختار رحمة للعاملين .

اتفقنا على المعاملة بالمثل .شخطت ونطرت فعنفت, فلنعدل الكفة إذن ونصدر لها عماد .تقدمنا على إلى مكتبها وبدأ الكلام باسمنا.

-هذا السيارة غير سيارة الصبح ولا تعرف السكة .
*البركة فيكم .دلوه .
-سيمتنع لأن السكة طويلة.
*سندفع له ونوصيه بخط السير المتعارف عليه.
-طالما ستدفعون فادفعوا لنا أسهل.
*خلصت ذمتى منكم.مع السلامة.


ذمتك؟إذن فهى الحرب.

البنات شققن الصف وآثرن السلامة فبقينا أربعة نحارب مصنع بمديريه ومُلاكه .بكت إحداهن فى بداية المفاوضات لكنها نخت فى النهاية أمام التهديد بالفصل .

صعدنا الأتوبيس المرصود توا لعمال الوقت الإضافى  كما يصعد المساجين عربة الترحيلات .كسفوا بالنا كسف الله بالهم .إنطفأ الهرج والمرح المصاحب لرحلات العودة اليومية ببدل السفر وأصبحت النفوس كابية مقبوضة .صادروا حريتنا حتى فى الساعات الإضافية بعد العمل .

لم يكن أمامنا سوى مندوب أمن مواصلات المصنع لنفش غلنا فيه تحاشيا لفقع المرارة والفرقعة من الغيظ .

تبادلناالنظرات القلة,أنا والشيخ مختار وعلى الصياد وعبده .اسمه عبده وكفى .لا أعرف اسمه الثانى رغم مرور سنوات طويلة على عملنا فى نفس المصنع .
تمنع الشيخ مختار قليلا بسبب السائق .مندوب الأمن يستاهل ما سيجرى له ولكن السائق الغلبان مظلوم ودعوة المظلوم صعبة تصل بدون حجب لكنه عدل عن رأيه هذا بعدما رأى جشاعة السائق عندما أوقف السيارة أكثر من مرة فى الطريق ليحمل الركاب,وهذا فوق حقه.

تبرعت بثمن سندوتشين من الفول والفلافل لضمان ولاء عماد  .كنا نحتاج للتكاتف فاشتريته من على عن طيب خاطر.كله يهون فى سبيل الإنتقام.



تعجب الجالسون على مقاى قريتنا عند مرور الأتوبيس عليهم دون أن يقف .قفزوا من فوق كراسيهم خلف السيارة المسعة ليتأكدوا من وجودنا ,وتأكدوا والحمدلله.

-ها يارجالة؟..قربنا ولا لس؟
*لسه شوية يا أسطى.

بعد ربع ساعة من القرية
-قربنا؟
*هانت

بعد نصف ساعة
-خلاص؟
*هتنزلنا فى نص السكة يعنى يا أسطى؟

بعد ساعة
-كد كفاية  أوى يارجالة
*يعنى إيه ياأسطى؟!
-يعنى الفلوس بتاعة المصنع آخرها هنا

فى هذه اللحظات نظر على لمندوب الأمن المصاحب للعربة فانذعر وغمز السائق بعشرين جنيها زيادة ليكمل الرحلة إلى حيث لم نعلم ولم نُقرر بعد.

خلت العواميد بعد تلك النقطة من كشافات الإضاءة وهبط الظلام كثيفا على الطريق التى ضاقت شيئا فشيئا واختفى الإسفلت وتناثرت الحُفر هنا وهناك.

لم يستطع السائق منع نفسه من السباب واللعن المتواصلين ,طال كل الناس بداية من زوجته وعياله مرورا بالجيران وصولا إلى الإدارة والمديرة ,وكل شىء.. كل شىء,ماعدا العمال والأمن طبعا تحاشيا للضرب.

كنا نشعر بالمسكين,فمع كل مطب يأكله الأتوبيس فيزمجر المتوتور وترتج السوست وتعلو الفرقعة كان قلبه ينخلع ويتضعضع أسى وحزنا على المصاريف التى سيدفعها فى عمليات الإصلاح والعمرة.

أما مندوب الأمن فقد انكمش على نفسه وتكور فى مقعده بجوار السائق متوقعا,عن خبرة سابقة وفراسة,وقوع مصابا ما..للأمانة لم نضمر لهم شرا غير سحبهم لأقصى مكان نستطيعه دون ضرب أو احتجاز

وبالفعل بعد دقائق وقبل اقترابنا من نقطة مضيئة ,مقهى تفوح منه رائحة الحشيش على بعد,فوجئنا بمرتاديه يهرعون خارجين للاختباء فى الأرض الزراعية المجاورة ,ظنا منهم أن الأتوبيس يقل قوات شرطة مكافحة المخدرات.

انكشف أمرنا لما اقتربنا,لملموا أنفسهم مرة أخرى.كان من بينهم شاب بدين ضخم أوقعه التدافع فى قناة صغيرة خلف المقهى فاستسهلوا المرور من عليع عن القفز ,أوقفوه,صالحوه وطيبوا خاطره,أمروه عليهم وتركوا له الحكم علينا.

لم نمهلهم الكثير,قفزنا من النوافذ الخلفية للأتوبيس وتسللنا عبر حقل من حقول الذرة المنتشرة فى المنطقة,ابتعدنا قليلا بما يمكنا من مراقبة الوضع الساخن بين الفريقين,مندوب الأمن والسائق من ناحية ورواد المقهى من ناحية أخرى.

أجلسوا البدين الضخم على كرسى خشبى بعدما نظفوا وجهه بخرقة مبللة يستخدمها القهوجى فى عمله ,لكنهم تركوا الطين يغطى باقى جسمه بالكامل..ويبدو أنه تغاضى عن ذلك مقابل حصوله على التوكيل الحصرى بضرب السائق ومندوب الأمن المقيدين من خلاف فى إكصدام الأتوبيس الأمامى.

تعب البدين من الضرب بعد دقائق معدودات فانفض الجمع وغادروا إلى منازلهم مترنحين ضاحكين تحت تأثير الحشيش والحادثة,بينما ظل صاحبانا متكومين أمام الأتوبيس.

أما نحن اخترنا المبيت فى الأرض حتى بزوغ أول ضوء توخيا للحذر.قطفنا بعض أكواز الذرة وشويناها بناء على طلب عماد أو اتقاءا لشره ثم حاولنا النوم.

التمس عبده السكينة ,طلب من الشيخ مختار أن يدير هاتفه الصينى على صوت القرآن فاستجاب ولكن الصوت حمل خطبة للشيخ عبدالحميد كشك.
-اللهم عليك بالشيوعية الكافرة وبماركس الملحد الذى يريد هدم الإسلام.
انزعجنا من حشرجة الرجل وعدوانيته ,طلبنا من الشيخ مختار تغيير الخطبة على الأقل فوافق على مضض.
-اللهم عليك بالشيوعية الكافرة وبماركس الملحد الذى يريد هدم الإسلام
شعرنا بالاستياء لأن الشيخ مختار يلعب بنا,عاتبناه,أقسم أنها خطبة أخرى,صدقناه لكبر سنه وسماحته,غير الخطبة مرة ثالثة من أجلنا.
-اللهم عليك بالشيوعية الكافرة وبماركس الملحد الذى يريد هدم الإسلام
تساءلت بصوت مسموع:هو ماركس ده كان جوز أمه؟!
فقدنا الأمل فى السكينة بعد صراع الشيخ كشك المتكرر فى بداية جميع خُطبه مع السيد كارل ماركس..جاء النوم متأخرا.

استيقظت مع زقزقة العصافير وشقشقة الشمس على ألم شديد وحارق فى يدى اليمنى.خلصتها من فم عماد بصعوبة بالغة وأيقظت زملائى لنبدأ رحلة العودة مشيا على الأقدام..كان الأتوبيس قد اختفى.









 

ليست هناك تعليقات: