الاثنين، 25 أغسطس، 2014

فى الاختلاف رحمة!

لا يكف المسلمون عن ترديد تلك العبارة:إن فى الاختلاف رحمة,يقصدون الاختلاف بين أقوال الأئمة والفقهاء بالطبع,فمن يأتى من الخارج,من خارج دوائرهم الضيقة,مرذول شكلا ومضمونا,عملا وقولا,نية وفكرا.

لنعرج سريعا على أهم أسباب الخلاف بين المسلميمن..
 فى كتاب"مالا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين يقول الشيخ عبدالجليل عيسى فى الصفحة 32:وكذا يجوز أن يختلف عالمان فى فعل حصل من النبى"ص",ولم يشهده إلا عدد قليل ,أو قول صدر من النبى"ص" مرة واحدة,وحضره عدد كثير,منهم من هو قوى السمع والحفظ,ومنهم ضعيفهما,أو ضعيف أحدهما,أو فى عمل فعله "ص"فى الليل والناس نيام,لم ينتبه له إلا قليل,أو فى عمل من خواصه شأنه ألا يطلع عليه كثير,كقيام الليل الذى كان فرضا عليه دون أمته,إلى أمثال ذلك كثير.

هذا عن الاختلاف فى رواية الأحاديث عن النبى "ص",فالسنة هنا لفظية وعملية محل نقاش وتمحيص وشك فالناقلين بشر ,والبشر معرضون للسهو والخطأ ,ولم نسمع عن إنسى عُصم من الزلل .

لم يقف الأمر عند الرواة فهناك حديث يتعرض لحادثة وقع فيها النبى نفسه تحت وطأة وسيطرة السحر..



قالت عائشة[  ] : سَحَرَ رسولَ الله رجل من يهود يُقال لـه لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخَيّـل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم وذات ليلة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا ثم دعا ثم قال: "يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؛ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر ثم رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي والذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجب طلعة ذَكَر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان"، قالت: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه ثم قال: "يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين"، قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: "لا أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرا فأمرتُ بـها فدُفنت" (رواه البخاري[  ]  ومسلم).





إذن فقد تعرض صاحب الرسالة نفسه للسحر,وهذا من دواعى الارتباك والتمكلمل عند رواية أى حديث وإن كان قوى السند وصحيحه تماما.


يمكن أن نستخلص بضمير راضٍ ومطمئن نتيجة مفادها أن النبى كان يخطىء وأتباعه بشر, وكل ابن آدم خطاء.


وماذا عن مصدر الوحى؟
إن أول مايتبادر للذهن عند ورود هذه المسألة هى حادثة عبدالله بن أبى السرح كاتب الوحى ,الذى حرف فى القرآن الكريم عند نقلع عن النبى"ص" .فعل مافعل حين شك فى نبوة محمد بن عبدالله,الرجل الذى ظهر على الناس برسالة سماوية جديدة,بعد اليهودية والإسلام.
كذلك يتبادر للذهن الجدل حول الناسخ والمنسوخ,ولكن الأخطر من هذا وذاك هو حديث السبعة أحرف..يفسرها البعض كقراءات سبعة لقنها النبى للقبائل المختلفة حتى يهون عليهم الأمر.
 

ثبت في صحاح الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه) وعند مسلم من حديث أُبيٍّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن ربي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هوِّن على أمتي، فأرسل إليَّ أن اقرأ على حرفين، فرددت إليه أن هوِّن على أمتي، فأرسل إلي أن اقرأه على سبعة أحرف). 

 

ويقول الدكتور طه حسين فى كتابه:فى الشعر الجاهلى أنها لهجات محلية سبعة لا تقتصر على مد فى حرف هنا وهناك ولكنها تتمد لتغير فى اللفظ حسب لغة كل بطن ولهجة كل قبيلة.. معنى واحد وألفاظ عدة,وهذا يعنى أننا فقدنا ست نسخ من القرآن الكريم بعدما جُمع القرآن فى نسخة واحدة ,هى نسخة عثمان بن عفان التى انتصرت لحرف قريش دون الأحرف الأخرى.

التاريخ يحتمل الاطناب والاسترسال فى كثير من المواضع المتعلقة بأسباب ومصادر الخلاف ولكن هذا ما سمح به الوقت والجد.

لنتعرض فى عجالة كذلك إلى بعض آثار الاختلافات والخلافات بين المسلمين,ولنر إذا ما كانت رحمة أم هلاكا ونارا مستعرة إلى اليوم.

-فتنة القول بخلق القرآن:

لن نتعرض للمعارك التى وقعت على شرف هذه القضية, وسنكتفى, فقط, بذكر ماحدث بين الإمام أحمد ابن حنبل والخليفة المأمون .

قال الإمام أحمد رحمه الله:
القرآن كلام الله ليس بمخلوق ، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر لأنه يزعم أن علم الله مخلوق ، وأنه لم يكن له علم حتى خلقه.
وقال:
من قال إن علم الله مخلوق فهو كافر ، ومن زعم أن علمه مخلوق فكأنه لم يكن يعلم حتى خلق العلم ، ومن قال أن أسماء الله مخلوقة فكأن أسماء الله لم تكن حتى خلقت وإن كل مخلوق .... فهذا عندي كافر إذا قال هذا .
المصدر: السنة لأحمد بن محمد الخلال (6 / 29 و32 و34)...شبكة الدفاع عن السنة.


المأمون أعلن في سنة (218هـ/ 833م) دعوته إلى القول بأن القرآن مخلوق كغيره من المخلوقات، وحمل الفقهاء على قبولها، ولو اقتضى ذلك تعريضهم للتعذيب، فامتثلوا خوفًا ورهبًا، وامتنع أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح عن القول بما يطلبه الخليفة، فكُبّلا بالحديد، وبُعث بهما إلى بغداد إلى المأمون الذي كان في طرسوس، لينظر في أمرهما، غير أنه توفِّي وهما في طريقهما إليه، فأعيدا مكبّلين إلى بغداد.

وفي طريق العودة قضى محمد بن نوح نحبه في مدينة الرقة، بعد أن أوصى رفيقه بقوله: "أنت رجل يُقتدى به، وقد مدَّ الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك؛ فاتقِ الله واثبت لأمر الله".
وكان الإمام أحمد عند حسن الظن، فلم تلن عزيمته، أو يضعف إيمانه أو تهتز ثقته، فمكث في المسجد عامين وثلث عام، وهو صامد كالرواسي، وحُمل إلى الخليفة المعتصم الذي واصل سيرة أخيه على حمل الناس على القول بخلق القرآن، واتُّخذت معه في حضرة الخليفة وسائل الترغيب والترهيب، ليظفر المجتمعون منه بكلمة واحدة، تؤيدهم فيما يزعمون، يقولون له: ما تقول في القرآن؟ فيجيب: هو كلام الله. فيقولون له: أمخلوق هو؟ فيجيب: هو كلام الله. ولا يزيد على ذلك.
ويبالغ الخليفة في استمالته وترغيبه ليجيبهم إلى مقالتهم، لكنه كان يزداد إصرارًا، فلما أيسوا منه علَّقوه من عقبيه، وراحوا يضربونه بالسياط، ولم تأخذهم شفقة وهم يتعاقبون على جلد جسد الإمام الواهن بسياطهم الغليظة حتى أغمي عليه، ثم أُطلق سراحه وعاد إلى بيته، ثم مُنع من الاجتماع بالناس في عهد الخليفة الواثق (227- 232هـ/ 841- 846م)، لا يخرج من بيته إلا للصلاة، حتى إذا ولي المتوكل الخلافة سنة (232هـ/ 846م)، فمنع القول بخلق القرآن، وردَّ للإمام أحمد اعتباره، فعاد إلى الدرس والتحديث في المسجد.  ..من موقع قصة الإسلام.


ماو وجه الرحمة فيما سبق؟

ماعرفش بصراحة.

-الفتنة الكبرى

هذه المرة كانت السياسة فى واجهة المشهد,الصراع على الحكم بين صحابة رسول الله,امتداد الضغينة الضاربة بجذورها فى عمق العلاقة بين بنى أمية وبنى هاشم إلى مابعد وفاة الرسول..لم تنته إلى اليوم,فقد مزقت جمع المسلمين وشتت شملهم إلى معسكرين كبيرين,سنة وشيعة.

نحن فى حل من ذكر المعارك التى دارت رحاها بين المسلمين بعد مقتل عثمان بن عفان بالتفصيل,فالمصادر التاريخية والأبحاث التى تتناولها على قفا من يشيل ولكن ما أود التنويه عنه هو الخسائر المادية والبشرية التى تكبدتها الأمة نتيجة الصراع على السلطة.

هل اعتبر المسلمون من معركة الجمل ومن حفظة القرآن الذين وقعوا فيها ,فكفوا عن الاقتتال؟هل هالهم مقتل عثمان أو على أو الحسن أو الحسين أو.....

لم يتعظ أحد ولم ينجح أحد فى حقن الدم ,وظلت اللعنة تطاردنا حتى اليوم .

الغريب فى الأمر هنا هنا التأريخ لهذه الحروب العنيفة والمذابح المتكررة ..لا يلوم أحد معاوية بن سفيان أو على بن أبى طالب..كأنهم كانوا حبايب يعنى وكأن كل اللى حصل وزة شيطان!

العجيب أن يخرج طرفا النزاع بيض الأيدى والأوجه ,مُبشرين بالجنة ومحصنيين ضد النقد.

-خلافات بين أتباع المذاهب:

عودة لكتاب الشيخ عبدالجليل عيسى,من الصفحة 77:

بعض آثار الخلافات المُحزنة ..

-1سُئل بعض المتعصبين من الشافعية عن حكم الطعام الذى وقعت عليه قطرة نبيذ,فقال عفا الله عنه:يُرمى لكلب أو حنفى.

2-ويقابله قول متعصب آخر حنفى لمن سأله:

هل يجوز للحنفى أن يتزوج المرأة الشافعية؟

فقال:إن ذلك لا يجوز لأنها تشك فى إيمانها,والإيمان لا يصح إلا إذا كان مقطوعا به.

ويفتى حنفى آخر بأنه يجوز للحنفى أن يتزوج الشافعية,لا على أنها مؤمنة بل بقياسها على الكتابية التة تجوز للمسلم بالاتفاق.

3-بعض طلاب العلم فى مسجد لاهور بالهند,سُئل عما اشتهر عندهم فى الأفغان من أن مصليا منهم رأى رجلا بجواره,يشير بأصبعه السبابة عند النطق بكلمة التوحيد فى التشهد,فضربه عليها حتى كسرها.

فقال نعم حصل ذلك,ولما سُئل عن السبب قال لأنه فعلا محرما,وهو تحريك إصبعه فى التشهد,ولما سُئل عن دليل التحريم قال:الدليل ماهو مدون فى كتاب الفقه للشيخ الكيدانى...إلخ ماستراه هناك.


إن مثل هذه الحوادث أكثر من أن تُروى,فالأربعة عشر قرنا ملأى بها فى جميع البلاد,لم تخل بقعة دخلها الإسلام من أشياء كهذه ,وإذا أسعفتك الذاكرة لتنتقل من حادث مقتل الشيخ حسن شحاتة الشيعى  العام الماضى فى مصر إلى مايحدث فى العراق وسوريا حاليا  من دولة الخلافة الإسلامية فى العراق والشام"داعش" إلى ماتفعله بوكو حرام فى نيجريا لن تسعفك فى تتبع المآسى والفجائع الأخرى فهى كثيرة,كثيرة جدا.

 

هل مازلت ترى أن فى الاختلاف بين المسلمين رحمة؟



 

 


ليست هناك تعليقات: