الثلاثاء، 26 أغسطس، 2014

الرق..التجارة..الدين

هاجم جان جاك روسو المجتمع ووجه له نقدا مريرا فى رسالته "بحث في منشأ وأسس عدم المساواة" (1755م), بسبب التنظيمات الاجتماعية التى أدت إلى انتقاص حرية بعض الأفراد واستعبادهم لصالح آخرين,حيث اتهم أول رجل قام بتسوير قطعة من الأرض أنه منشأ الشرور فى العالم بعد مرحلة الشيوعية الأولى التى امتلك فيها الجميع الطبيعة ,وهنا نرى تطابقا تاما فى الفكرة التى حملها الحديث النبوى الذى رواه الإمام أحمد وصححه الألبانى.."الناس شركاء فى ثلاث..الماء والكلأ والنار".

 العبودية إذن تبدأ ببداية الحضارة الزراعية حيث احتاج المالك لعمال يقومون عنه بالأعمال الشاقة التى تستلزمها أرضه وأملاكه,تطورت هذه العلاقة بين السيد والعبد الذى أخضع بالقوة المنهزمين فى الحروب والمحتاجين للمأكل والملبس والمأوى والفقراء المشردين ,أخضععهم للعمل فى مزارعه دون أجر.

 "يقول المؤرخ الكبير "ول ديورانت" في موسوعته الشهيرة "قصة الحضارة" : (بينما كانت الزراعة تُنْشيء المدنيِّة إنشاءً فإنها إلى جانب انتهائها إلى نظام الملكية، انتهت كذلك إلى نظام الرق الذي لم يكن معروفًا في الجماعات التي كانت تقيم حياتها على الصيد الخالص، لأن زوجة الصائد وأبناؤه كانوا يقومون بالأعمال الدَّنيَّة، وكان فيهم الكفاية لذلك، وأما الرجال فقد كانت تتعاقب في حياتهم مرحلة تضطرب بنشاط الصيد أو القتال، يتلوها مرحلة من فتور الاسترخاء والدعة بعد الإجهاد والعناء. ولعل ما تنطبع به الشعوب البدائية من كسل قد بدأ – فما نظن – من هذه العادة. عادة الاستجمام البطئ بعد عناء القتال والصيد، ولو أنها لم تمكن عندئذ كسلاً بمقدار ما كانت راحة واستجامًا ؛ فلكى تحوِّل هذا النشاط المتقطع إلى عمل مطرد، لابد لك من شيئين : العناية بالأرض عناية تتكرر كل يوم، وتنظيم العمل)."

انتقل هذا الوباء عبر الحضارات التى قامت ونامت ,وعبر الإمبراطوريات الكبيرة ,التى بنى فيها السادة مجدهم على حساب حياة الرقيق والأمثلة حاضرة وموجودة على جدران المعابد وفى الوثائق التاريخية التى تخص الفراعنة والرومان والإغريق والصينيين والهنود وغيرهم من الأمم القديمة والحديثة.

 "كان لدى الهنود القدماء طبقات أعلاها : طبقة الأشراف وهم البراهمة، أما طبقة العمال، فهى الطبقة الدنيا التي تستخدم في الأعمال، وتعامل معاملة بشعة. وللطبقة الأولى السيادة والسيطرة، وعلى الطبقة الثانية – وهى طبقة الأرقاء – الطاعة والخضوع. ويستمر الرقيق خادمًا طوال حياته. وكانت القوانين التي يحاكم بها جائرة، فإذا اعتدى رقيق على بَرهَمى حكم على الرقيق بالقتل. وإذا شتمه بلفظ بذئ قُطع لسانه. وإذا احتقره عُوقب بوضع خنجر محمى بالنار في فمه. وإذا تجرأ ونصح لبرهمى نصيحة تتصل بواجبه أمر الملك بوضع زيت ساخن في أذنه وفمه. وإذا اغتصب برهمى شيءًا من الرقيق حكم عليه بدفع غرامة مالية. وإذا سرق عبد شيءًا من برهمى حكم عليه بالإحراق !!. وكانت الأعمال النجسة تترك للعبيد ليقوموا بها، والأعمال المقبولة يقوم بها الخدم. وكانت في الهند طائفة أخرى منبوذة تُسَخَّر للخدمة كالعبيد."

 "كان الفقراء من الصينيين القدماء يبيعون أبناءهم وبناتهم لشدة فقرهم وحاجتهم. وكان للسيد الحق في بيع من لديه من الأرقاء وأولادهم. وقد عرف الصينيون بالذكاء والحكمة والرقة والمروءة والإنسانية. فالرقيق في الصين كان يعامل بشكل أفضل كثيرًا من نظرائهم في أوروبا."

 "وفى أثينا كانت هناك طبقات ثلاث : طبقات المواطنين والغرباء والعبيد. ويقدر سويداس Suidas عدد العبيد الذكور وحدهم بمائة وخمسين ألفًا، معتمدًا في تقديره على خطبة معزوة إلى هبيريدس ألقيت في عام 338 ق م، وإن لم تكن نسبتها إليه موثوقًا بصحتها. ويقول أثيديوس : إن تعداد سكان أتكا الذي أجراه دمتريوس فاليريوس- حوالي عام 317- يقدر المواطنين بواحد وعشرين ألف، والغرباء بعشرة آلاف، والأرقاء بأربعمائة ألف. ويقدر تيموس - عام 300- عبيد كورنثة بأربعمائة وستين ألفًا، ويقدر أرسطو- عام 340- عبيد أيجينا بأربعمائة وسبعين ألفًا. ولعل السبب في ضخامة هذه الأعداد أنها تشمل العبيد الذين كانوا يعرضون للبيع عرضًا مؤقتًا في أسواق الرقيق القائمة في كورنثة، وإيجينا وأثينا."

 هذه بعض المقتطفات من تاريخ العبودية فى العالم القديم ,وإذا مددنا الخط على استقامته سنشاهد البرتغاليين والهولنديين وهم يغيرون على سواحل أفريقيا لخط البشر من مواطنهم الأصلية للرمى فى المزارع والمحاجر والأعمال التى يستنكف الأوربيون عن العمل فيها,أصحاب الأيدى البيضاء البضة الطرية لا يعملون,وإنما نحن نعمل بالنيابة عنهم ونبى لهم حضاراتهم التى سيعايرونا بها .

ولا يفوتك وأنت تقلب فى أوراق التاريخ أن تنقب عن الهنود الحمر,السكان الأصليين لأمريكا,أو عن الأحرار المجلوبين من أفريقيا التعيسة أيضا,ملايين من البشر وقعوا تحت رحمة الإمبراطوريات الكبيرة التى لا تبحث سوى عن المكسب والخسارة,ولو على حساب الإنسانية.

هى التجارة أولا وأخيرا,تشرع وتقنن وتؤله وتؤنسن وتشيطن وتفعل كل ما يحلو لها..الدين مجرد عارض يأتى ويروح وإن بقى يتطبع ويحافظ على مصالح السادة والوجهاء.
جاءت الأديان السماوية والاستعباد يضرب بجذوره فى الأعماق,حاولت فى البداية محاولات ضعيفة لتجتذب الفقراء والعبيد,ولكنها مالبثت أن تواءمت وقدمت حلولا توافقية ليبقى الوضع على ماهو عليه..لم يتساوى الكهنة بالعامة وظل صحابة الرسول فى الإسلام يشترون العبيد والجوارى ووصل عدد الجوارى عن بعض الخلفاء إلى أربعة آلاف جارية غير العبيد من الذكور.

سيثور البعض من عينة أبى ذر الغفارى ويُنفى خارج المدينة التى تضم رأس الحكم عثمان بن عفان وسيقمع السادة ثورات الإصلاح الدينى فى أوربا أو يحتووها ,ينحنون فقط عند هبوب رياح الثورة ,وعندما تضع الحرب أوزارها تعود ريما لعادتها القديمة.

هل جاءت الأديان بالحرية؟
قطعا لا
هل أنشأت الأديان هذا النظام الاجتماعى البغيض؟
تختلط فيها الإجابات وتتشعب التعبيرات وتتضارب,ولكننا لا نعفى الأديان من المسئولية ,فعندما يرتدى التاجر مسح من مسوح التدين ليسوغ به جرائمه ولا يتحرك الكهنة فهم متواطئون وبالتبعية فالدين نفسه مسئول,سواء كان دينا من اختراع هؤلاء أو دينا من فوق سبع سماوات كما يعتقد البعض.

والعمل؟
لابد من التوقف عن السير فى ركاب التجار اللذين تزيوا بزى جديد مهندم اسمه الشركات الكبرى والعولمة وخلافه من الأسماء المرتبة المنمة القاتلة,هم لن يهتموا سوى بمصالحهم.
لابد من الانعتاق من التبعية للقطب العالمى الأوحد الذى لا يتورع عن إشعال فتيل الحروب فى أى مكان فى الكوكب من أجل تأميبن مصادر طاقته وأسواقه..تخيل لو أنفقت الولايات المتحدة المليارات التى أُنفقت فى حروبها لتنمية أفريقيا.
لابد من تجنيب رجال الدين تماما من المشهد السياسى ولا سيما فى عالمنا الناى.
لابد من تفكيك المجتمع دينا وخُلقا وأعرافا .
لابد من الثورة.
أمريكا لم تلغ الرق إلا بعد قيام ثورة.
السعودية ألغت الرق مُجبرة بضغط من المجتمع الدولى,بالرغم من أنها أعادته فى ثوب جديد.
لم نتخلص من الإقطاع فى مصر,ولو أنه عاد بشكل أقوى,إلا بعد ثورة يوليو.
ألم تنتهى تجارة الرقيق بعد؟
الرق يعود فى أشكال جديدة تستلزم الثورة,ولكن يجب أن تنبع الثورة منا لنعبر عن آمالنا وطموحاتنا بوضوح,لا أن يثور التجار بالنيابة عنا ثورات وهمية تشتعل 
 وتنطفىء بين يوم وليلة.

*الاقتباسات من ويكيبيديا.

ليست هناك تعليقات: