الأحد، 14 ديسمبر، 2014

بطل بالإكراه 1-1

فى تلك المرة كان الضجيج مختلفا.
لم تتناهى إلى مسامعى شتائم جارتنا العزيزة بحق سكان العمارة,لا سيما النساء منهم ,اللواتى لايعرفن الواجب ولا الأصول , ولا يراعين الجيرة .

توغوشت وبصقت فى عبى .. خير اللهم اجعله خيرا.. وتساءلت عن صحة الأسطى عيد صاحب المخرطة الموجودة بالدور الأول .. كل همسة فيها أسمعها فى الظروف الطبيعية , فأنا أسكن أسفلها تماما .. فى البدروم.
الحج عبد الرحيم لم يدبدب بأقدامه الثقيلة على سلم العمارة أثناء نزوله , ولم يتجشأ أيضا .. يُفترض بى أن أهدا ويطمئن بالى لأننى فى أجازة من سؤاله اليومى عن الإيجار المُتأخر.

ماذا جرى؟
كلهم غابوا فى ذلك اليوم .. حضر فقط شعاع الضوء الشحيح الذى يدخل من ثقب  ضيقٍ جدا فى أرضية مدخل المخرطة .. دخل إلى عينى مباشرة كما يفعل كل صباح.
دقائق قليلة من الصمت المطبق مرت ثم رحلت وجاء الموج الهادر بعدها .. هتافات ترج الأرض و تخلخل الهواء , لمن يا ُترى؟

- عاش البطل.
-ياشهيد نام وارتاح واحنا نكمل الكفاح..

هل عادت الشرطة للقمع والقتل مجددا؟
لا شك أن الامر كذلك.ارتديت ما وصلت إليه يداى حينها وصعدت الدرج الخشبى الموشك المتهالك , الغري بانه لم يصد رأصوات الاستغاثة التى تعود أن يصدرها كلما وطئته قدماى .. كُنت خفيفا على ما يبدو.
سحبت اللوح الخشبى الذى يستر مدخل القبو ودلفت إلى الشارع الجانبى الضيق المُعبأ بروائح الصرف الصحى , انعطفت للحارة ومنها إلى الشارع الرئيسى حتى التقيت بهم.

الحشد كان ضخما .. لم تلتقط عينى أوله ولا لآخره .. كانوا يحملون  صورا ولافتات عديدة , تبينت ما كان مصورا ومكتوبا عليه بسهولة , على الرغم من ضوء الشمس القوى الذى يعيق النظر إلى أعلى فى هذا الوقت من النهار.

-دى صورة مين يا حج؟

لم يحر الحج جوابا.لم يعرنى انتباها. الكبار فى هذا البلد لا يُعَول عليهم فى اى شىء , حتى أجوبة الأسئلة البسيطة .
اخترت شابا قريبا من سنى لعلى أستطيع التعامل معه.

-المظاهرة دى عشان غيه يا معلم؟

لوحَ بيمناه فى الهواء ان أبتعد , فابتعدت.لم وجهى يتحمل قبضة مثل قبضة يده.
كان علىّ ان أفهم وحدى . تقاطيع وجه الشاب المطل من صورهم ولافتات تشبهنى . الإسم هو نفس الإسم .

-صابر عبدالرحمن.

تحسست عنقى و أحسست للمرة الاولى بلهيب كلهيب شمس اغسطس يجوس فى أحشائى وينفخنى ككرة من الجلد على وشك الإنفجار.

لم أعى شيئا . لم اتحكم فى نفسى. صار جسمى كورقة  خفيفة , يطيرها الهواء فتطير.

جاء وقت الخطاب الثورى فى الميدان حين تقاطعت الخُطى فى الصينية الواسعة .وسط البلد ,قلب البلد ..بؤرة الأحداث فى ذلك اليوم.

ماذا فعل صاحبكم؟..أقصد ماذا فعلت أنا؟
عندئذٍ كان على ان أنتظر حتى يبدأون بالكلام.

تبادل المنصة المنصوبة فى قلب الميدان الكثيرون ,كلهم متشنجون صارخون لا يفهم الغنسان الطبيعى منهم كلمة , أما وقد كانت الغالبية العظمى فى المكان من نفس العينة العصبية فقد التقطوا ما قيل ورددوه .

كنت كالاطرش فى الزفة إلى ان صعد رجل ثمين منتفخ الاوداج , جاحظ العينين  فقال ما فهمت منه أن صابر عبدالرحمن قد اغتال الطاغية الذى ركب الحكم بعد ثورة شعبية هوجاء بلا رُبان.

-يانهار إسود .. دانا مااقدرش أقتل فرخة.

هذا ماكان وقد انتقم الحراس لسيدهم بسبعة وستين طلقة فى صدرى , تحسست صدرى حينئذٍ فلم أعثر على ثقب واحد من السبعة وستين.

كان التدافع جنونيا , ولكنى وصلت إلى المنصة فى النهاية . حاولت الصعود .وصلت إلى المايك بعد جهاد طويل .

-يا جماعة أنا صابر عبدالرحمن .. وعمرى مكاقتلت فرخة .. وأنا مش بطل .. أنا جبان وماشى جنب الحيطة .. وساكن فى بدروم .. وكل يوم مية المجارى والصرف بتدخل تحت سريرى .. وأوضتى مليانة سحالى وصراصير وفيران ..أكيد غنتو تقصدوا حد تانى .. بس لو تقصدوا حد تانى رافعين صورتى ليه؟ فهمونى وحياة أبوكو .. مش عايز مشاكل مع الحكومة ..كفاية إنهم سايبنى اعيش .. كتر خيرهم .. يا جماعة مين عاشر القوم 40 يوم صار منهم وأنا بقيت صرصار وعندى استعداد احب على جزمكو كلكو بس تفضوا الليلة دى وتمشوا جنب الحيطة معايا .. بلاش تموا جنب الحيطة .. سيبونى فى حالى .. هو أنا اشتكيت من حاجة؟ ياما طلبت منكم لقمة وأنا جعان ومحدش عبرنى .. ياما كنت هموت من اليأس والإحباط ومحدش واسانى ومحدش صبرنى .. افتكرتونى فجاة وبدون إذن منى كمان؟ أقولكو حاجة؟ إنتو تموتوا فى الهيصة وعايزين جنازة وتشبعوا فيها لطم.

خَيَمَ الصمتُ على الجميع لمدة دقيقة , ثم انطلق وابلٌ من فلاشات الكاميرات أعمى بصرى , ثم سلٍ من السباب والشتائم.

-انزل يا بن الكلب يا عميل.
-يا وسخ يا عديم الوطنية.
-يا واطى يا عبد البيادة .
-يا مجنون .

استقر بهم المقام عند وصف مجنون .

اقتادونى إلى السرايا الصفراء .. حسنًا , على كل حال تمتعت فى مستشفى الامراض النفسية بسريرٍ لم أحلم به من قبل.

وقع ظلا رأسيهما على أرضية العنبر . إزدادا الظلان وتمددا شيئا فشيئا . تخطا الباب الحديدى دون أدنى صوت . لم يديرا فى أكرة الباب مفتاحا , أو يحركا ترباسا , أو يكسرا شيئا .. عبرا كأنهما لا شىء.

وقفا على رأسى وأنا أرتعش و تحذرنى مثانتى من طوفان بولٍ قادم.

طوانى أحدهما تحت جناحه وانطلقنا إلى حيث لا أدرى . 

-حمدا لله على سلامتك .. أهلا بك فى قصرك .
*قصرى؟.. يانهار اسود!
-ويومئذٍ يفرح المؤمنون.

زادات رنة الصوت من توترى ورُعبى.

- أهلاً بك فى دار الخلد والنعيم.
*نعم؟

ملحوظة مهمة: لم اتعاطى أى مخدر او مسكر , بسبب ضيق اليد بالطبع,ولم يدخل إلى دمى غير أدوية المستشفى التى استقبلونى بها   .. قد يكون وعيى فى حالة يُرثى لها أحيانا لما ألاقيه من عنت وتعب , ولكن ليس إلى الدرجة التى اتخيل فيها دخولى الجنة .. ويُرجى الانتباه كذلك غلى فقر خيالى المُدقع.


استبد بى الخوف , شربت منه جرعات مكثفة ومتتالية , وعندئذٍ زال أثره  , وحل محله الجوع .. عندما فكرت فى الطعام فُوجئت بخرافٍ مذبوحة مشوية لا حصر لها تتجه نحوى مسرعة .. هذا غير شلالات الفاكهة المتساقة من فوق الأشجار.

عاد الخوفُ مجددا .

-ياليت قومى يعلمون بما دبر لى ربى .. لا أعلم كيف نطقت بما نطقت.

كانت هذه , على ما اعتقد, المرة الاولى التى يشاهد فيها الملائكة اعتراضا على النعيم .. وأى نعيم!

عافت نفسى الخراف المشوية والفاكهة , اقتربت تفاحة عل استحياء تخطب ودى .. تشجعت وقضمة منها قضمة .

- ماسخة.

تعجب الملائكة وهرش كبيرهم فى لحيته .. " هناك أحدهم يتمرد على جنة الله..نادوا على الحور العين "

-يالله .. لم اكن احلم بأكثر من مصافحة سنية العمشة , وهاهن الحور العين تتسابقن لإرضائى.

كلما اقتربن زادت بهرة النور .. كلما اقتربن اتضحت تضاريس أجسادهن اكثر .. بيضاوات .. هل أسندَ اللهُ إدارة هذه الجنة لحفنة من العنصريين , أم ؟انه يديرها بنفسه؟

لا اعلم .. المهم ان البياض له شقٌ محبب وشقٌ كريه .. كريه للغاية , تلك الكراهية التى لا تملك معها البعد .. لقد كُن ككتلة كبيرة من المغناطيس الحيوى , المكون من ....... لا أعلم بصراحة .. هل كن من لحمٍ ودم؟

مثلى لا يحتمل رؤية النهود الرجراجة أو المؤخرات المُهتزة .. كادت الشهوة أن تستبد بى وتغيبنى عن وعيى .. لولا الحياء.. لولا الحياء لكنتث من الهالكين.

لما قطعت شوطا طويلا فى الشجاعة والإقدام وهممت بأن أقل إحداهن , وجدت الملائكة ينظرون .

-ماتشوفوا مصالحكو يا جدعان الله يسهلكو!

لم يتحرك أحد .

-انا شوية وهقلع ملط والنعمة.

أجابوا بابتسامة واسعة ..كأنها ابتسامة آلية.

-وبعدين يعنى؟

أشاروا بأصابعهم للأعلى.

-إيه ده..هو كمان شايف؟

لم أُكمل .. كن باردات وكنا جميعا تحت السمع والأبصار .

-طيب رجعونى مكان ما جيبتونى.

بدت عليهم الحيرة.

-بقولكو رجعونى .

كنت كلاعب ملاكمة يتدرب على ضرب مِخلة صماء بالبوكس.. يئست من التفاهم معهم , همت على وجهى وناجيته فأجاب.

-رجعنى .. عايز أرجع.

جاء الصوت رحيما , ليس كما تصورت .. كنت أتاهب للانسحاق والتلاشى , ولكنىنى بقيت كما انا . انبثق فجأة من الضوء ووضع يده على كتفى .. بدا كمعلم عجوز يحنو على تلميذه البائس الصغير.

-إنت .......... ؟؟؟

* أيوه .. غريبة؟

-وبتتكلم زينا؟؟؟

* اللغة بتاعتى زى ما كلكو بتوعى.

-وعامية كمان؟

*كل اللهجات واللغات تنويعات على لسان واحد.

-أنا ..... 

* إنت طماع

-أنا؟؟؟ .. إنت عارف اللى فيها من غير ما أقول.

* قلة الحيلة او الفقر ما ينفوش الطمع.

-رجعنى.

* بتتبطر على جنتى؟

-حاشا وكلا

* إنت عايز إيه؟

-................

* مسكين .. كنت بتحلم بالبطولة وعملتك بطل فى لحظة

-أنا مش بطل

*كنت بتحلم بالبطولة.

- كنت بحلم بكرامتى

* وقد كان .. خليتك مثل اعلى

-كنت عايز كرامتى بس

* متخبط وجاهل .. مش كنت جعان؟ .. الأكل قدامك أشكال والوان

-مش قادر أستطعمه.

*مش كنت هتموت وتنام مع فرخة؟ ... النسوان قدامك

-دول مش نسوان .. انا مش قادر أصدق حاجة .. ولا قادر أصدقك

* وانا مش هعمل عقلى بعقلك .. إنت فاكرنى شيطان .. مظبوط؟

-مش عارف

* انا أقدر أتجلى فى كل شىء .. إنسان .. حيوان .. طير .. نجم .. شيطان .. كل دى صور لأصل واحد.

- أنا عايز أرجع

* إنت لسه عيل صغير 

هنا بدأ الدوار يسيطر على تماما .. تحول المعلم الحكيم الذى كان ؟امامى إلى عصفور ملون بالوان عجيبة , يتقافز على أغصان الأشجار ويتاملنى .. يتحول العصفور إلى نهر متدفق تحملنى امواجه , ثم إلى قوس قزح يحيط بى .. ثم أغفو ويعود الحراس " الملائكة" للوقوف على رأسى .



ليست هناك تعليقات: